الاثنين، 11 يناير 2010

مسؤولية العلماء


مسؤولية العلماء
صنفان من الناس إذا صلحا صلح سائر الناس، هما العلماء والأمراء. وإذا أراد الله بالأمير خيراً هيَّأ له بطانةً صالحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من وال ولا أمير إلا له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً. فمن وُقِيَ شرها فقد وُقِيَ".
الأمير أو الزعيم شخصٌ توليه الأمة مقاليد أمورها، لا ليتحكم بالناس، فيقمعهم ويجلدهم ويسجنهم ويصادر حرياتهم، بل ليرعى مصالحهم، ويدير شؤونهم، وفق أحسن ما يستطيعه لهم، مستعيناً في ذلك بمن يراه من الأكفاء الصلحاء القادرين على سياسة الدولة، وإدارة شؤونها.
وإذا رُزق الأميرُ صلاحاً، بحث عن الصالحين ليكونوا بطانته ومستشاريه وأعوانه، وإذا كان فاسداً قرَّب إليه أمثاله من الفاسدين المفسدين. هذه سُنَّةٌ لا تتغير، وقاعدةٌ ثابتةٌ لا تتبدل. وهذا يعني أن الله سبحانه يهيئ البطانة الصالحة للصالح من خلال الأخذ بالأسباب، فالأمير الصالح يبحث ويتحرى، حتى يجد الأعوان المناسبين، لا أن الله يسوق إليه هؤلاء من غير جهدٍ منه ولا بحث.
ولا بد أن يكون بين المستشارين والأعوان جماعة من العلماء والفقهاء، الذين يعرفون أحكام الشريعة، ويفقهون أسرارها، ولا بد أن يكون لهؤلاء المنزلة والمكانة اللائقة بهم من الإكرام والاحترام.
وقد ينظر كثيرٌ من الناس إلى هؤلاء العلماء، على أنهم ممتعون بمناصب دينية رفيعة، ولهم من الجاه والمنزلة والثراء ما ليس لكثير من الناس، فينظرون إلى هذا الجانب الماديِّ، ويتغافلون عن المسؤولية العظيمة التي تقع على عاتق هؤلاء العلماء.
وسواء أكان العلماء في حاشية الأمير وبطانته، أم كانوا في أي موقع اجتماعيٍّ، فإن مسؤوليتهم عظيمة، وكلما ارتفع منصب العالم وقدرُه، ازدادت مسؤوليته. ويمكن أن تُفهم المسؤولية في ضوء قوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"، وهذا يعني أن كل شخصٍ مسؤولٌ أمام الله تعالى، ومحاسبٌ على العمل الذي أوكل إليه، حفظه أم ضيعه؟
وتتجلى مسؤولية العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من عذاب الله تعالى وسخطه، كلما هم بعض الأمراء أو الوزراء أو القادة .. بفعل منكر، أو اقتراف حرام. وهذا المنكر أو الحرام قد يكون فعلاً فردياً يقتصر أثره على فاعله، والحال هنا أهون، وقد يكون ذا أثرٍ على عامة الناس، بأن يتخذ الأمير قراراً فيه ظلمٌ لطائفةٍ من الناس، أو اعتداءٌ على حقوقهم وممتلكاتهم. وفي هذه الحالة يكون الأمرُ أشدَّ، لأن الضرر لم يقتصر على فاعل المنكر، بل لحق بالناس.
وفي كلا الحالين يترتب على العالم مسؤولية النهي عن هذا المنكر، والتحذير من آثاره وأضراره وعواقبه، وللعالم أن يتخذ الأسلوب الذي يراه أفضل وأقرب إلى الحكمة، سعياً إلى التغيير الإيجابي، وعليه أن يُقدر ما يترتب على فشوِّ هذا المنكر من أضرار. وإذا تخلى العالم الذي هو من البطانة عن نصح الأمير، فممن سيسمع الأمير؟ وكيف يعرف الحق من الباطل؟ وكيف سيرعوي عن ضلاله، ويرجع إلى رشده؟
وفي ضوء هذا على العالم أن يقول كلمة الحق، لا يخشى في الله لومةَ لائم، وأن يكون معظماً لله سبحانه، متوكلاً عليه، حريصاً على صلاح الأمير ورجوعه إلى الحقِّ، مشفقاً عليه من نزغات الشيطان.
هكذا كان العلماء على مدار الزمان، قائمين لله بالحجة على خلقه، صادعين بالحق، دون خوفٍ على جاهٍ أو منصب. فالحقُّ أحقُّ أن يُتبع، وما عند الله خيرٌ وأبقى.
وهذه قصةٌ لعالمٍ جليل، وقاضٍ نبيل، كان في بطانةِ ملكٍ عظيمٍ، خضع له ملوك أوروبا، وسار بذكره الركبان، لما كان له من أبهة الملك، وعظمة السلطان.
أما العالم فهو القاضي: المنذر بن سعيد البلوطي، وأما الملك فهو أمير المؤمنين الناصر لدين الله، باني الزهراء، والذي حكم الأندلس خمسين عاماً، ضبط فيها البلاد، وأخضع الأعداء، وكانت له الكلمةُ النافذة في ربوع أوروبا.
من أخبار المنذر مع الخليفة الناصر، أن الناصر كان قد أمر ببناء قبة صغيرة مائلةٍ على الصّرح الممرّد المشهور بقصر الزهراء، وجعل على هذه القبة قراميد مغطاة بالذهب والفضّة، وأنفق عليها مالاً كثيراً، وقرمد سقفها به، وجعل سُقُوفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، تستلب الأبصار بأشعّة نورها، وجلس فيها بعد تمامها يوماً لأهل مملكته، فقال لمن حضر من الوزراء والمقربين وأهل الخدمة، مفتخراً بما صنع: هل رأيتم أو سمعتم ملكاً كان قبلي فعل مثل هذا، أو قدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنّك لأوحد في شأنك كلّه، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره. فأبهجه قولهم وسرّه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد وهو ناكس الرأس، فلمّا أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب، واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: يا أمير المؤمنين، ما ظننت الشيطان لعنه الله يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تُمَكِّنه من قيادك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته، وفضّلك به على العالمين، حتى يُنزلك منازل الكافرين. قال: فانفعل عبد الرحمن لقوله، وقال له: انظر ما تقول، وكيف أنزلني منزلتهم؟ قال: نعم، أليس الله تعالى يقول " ولولا أن يكون النّاس أمّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون وزخرفاً". فوجم الخليفة، وأطرق مليّاً، ودموعه تتساقط خشوعاً لله تعالى، قال الراوي: ثمّ أقبل على منذر وقال له: جزاك الله يا قاضي عنّا وعن نفسك خيراً، وعن الدين والمسلمين أجلّ جزائه، وكثَّر في الناس أمثالك، فالذي قلتَ هو الحق. وقام عن مجلسه ذلك، وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سقف القبة، وأعاد قرميدها تراباً.
بمثل هذه الجرأة، وبمثل هذا الصدق يصلح الأمير، ويتوب إلى ربه، ويرجع عن غروره وخطئه. أما أن يُجامَل ويُداهن، ويقال له: نعمّا فعلت، فكيف سيرجع عن فِعلٍ يراه حسناً، ويسوِّغ له فعله أهل العلم والإفتاء؟
وفي هذا الزمان الرديء لا يكتفي العلماء المؤتمنون على رسالة السماء، وشريعة الحق، بأن يسوِّغوا للأمير فعله، ويثنوا على صنيعه، بل يؤكد بعضهم أن ما فعله الأمير أو الزعيم هو الصواب، ولا صواب غيره، ولا يجوز لأحد من الأمة أن يخالفه، أو يعترض عليه.
ولا شك أن هذا هو سبيل الغي والضلال، واستحلال الحرام، وتحريم الحلال، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحدّ استحقت أن يسلط الله عليها الظالمين بالإذلال والاستضعاف، وصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم".

ترحيب

بسم الله الرحمن الرحيم
وما من كاتب إلا سيبلى ويُبقي الدهر ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شيءٍ يسرُّك في القيامة أن تراه

إلى السادة والسيدات الكرام الذين قُدر لهم أن يمروا من ها هنا، ويلقوا نظرةً عابرةً أو فاحصة، على ما يُدون ها هنا، أقول:
مرحباً بكم وأهلاً
وتحية تليق بمقام كل منكم

هذه مدونة أُطلقها في هذا الزمن الرديء الذي عزت فيه الكلمة الصادقة، وقل فيه الالتزام بالكلمة، وكثر فيه اللغو والضجيج، وعلا صوت الباطل والضلال.
أطلقها معلناً شعارها ابتداءً: (وقولوا للناس حسناً).
ومؤكداً على المثل الذي ضربه القرآن للكلمة الطيبة (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها)
وملتزما بما أراه وأعلمه حقاً، وحريصاً على أن أكون أول الملتزمين به قبل أن أدعو غيري إليه.
راغباً في اتباع منهج الحكمة، وسبيل الخير فيما أكتب.
دون إساءةٍ ولا تجريح لشخص أو هيئة أو مؤسسة...
فرُبَّ كلمة تقول لصاحبها دعني
وبالرفق يصل المرء إلى ما لا يصل إليه بالعنف
وإن الله يحب الرفق في الأمر كله
والكلمة الطيبة صدقة.
هذه هي الخطوط العريضة لميثاق هذه المدونة
أرجو أن تقع منكم موقعها اللائق بها، وأن يكون لي وللقراء الأعزاء أجر ما يُعرض هنا من كلام، سواء كان في صورة نثر أو شعر، مقالة أو قصة أو رواية تاريخية، أو أي شكل من أشكال التعبير الكتابي المقبول.
وشكراً جزيلاً لمن أتاح الفرصة وهيأ المجال لتقديم هذه المدونة وأمثالها من المدونات التي يُرجى أن يكون لها أثرها الإيجابي النافع.
تحية لكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته