الأربعاء، 6 أبريل 2011

ليبيا: ألم وأمل

ليبيا ألم وأمل
لم يكن أحد يستطيع أن يرجم بالغيب ليعرف ما يخبئ المستقبل لهذه الدولة الجماهيرية ذات المساحة الشاسعة، والعدد القليل من السكان.
ولم يكن أحد يدري أن الشعب الليبي بهذا المستوى من الوعي والنضج والالتزام.
كثيراً ما سمعنا الحُكم على الليبيين من خلال جنون العظمة الذي حققه القذافي بامتياز
وكنا نظن أن الليبيين أكثر الناس سذاجة وغفلة حتى يحكمهم هذا المجنون، ويسخرهم لإرادته.
لم يكن أحد يخبرنا عن المجازر والعذاب والسجون والجرائم التي تُرتكب بحق المعارضين، بل كان شيء من ذلك يصل بين حين وآخر على استحياء، وضمن أخبار قلّ من يلتفت إليها.

حتى المعارضين الهاربين إلى خارج ليبيا لم يكونوا قادرين على البوح، فهم يخافون أن تتخطفهم يد القذافي التي كانت تلاحق المعارضين عبر سفاراتها وتأتي ببعضهم مقيدين في (التوابيت الدبلوماسية)

وهبت رياح التغيير والتحرير فأطلقت تونس من عقالها، وتبعتها مصر التي ضربت نموذجاً رائعاً في الثورات السلمية المنظمة التي يقودها شبابٌ متفتحون مثقفون مدركون للخطوات التالية، مستشرفون للمستقبل بعيون نسر.

ولم يطل الوقت حتى بادر شباب ليبيا بثورتهم ضد نظام استبدادي ما عرف التاريخ الحديث أبشع ولا أشد منه قمعاً ولا إجراماً.
النظام الذي تفنن في استعباد الناس وإذلالهم وإفقارهم رغم المليارات التي تدرها ثروة البلاد النفطية، والتي تمكن كل فرد ليبي أن يعيش ملكاً مخدوماً مرفها مدللا.

لم يتوان النظام ولم يقتصر على التخويف والتحذير، بل استخدم الرصاص الحي قتلاً وإبادةً من أول يوم، وبدأ عشرات الضحايا (شهداء وجرحى) يسقون تربة الصحراء لتنبت فيها شجرة الحرية الذابلة منذ عقود.
وازداد القتل والتشريد، بعد أن أطل (العقيد) بوجهه البشع مؤكداً أنه لم يستخدم القوة بعد.
وبدأت ملحمة أسطورية، وبدأ تحرر المدن واحدة تلو الأخرى من نير العقيد، ولقي (الكتاب الأخضر) ما يستحقه من تدمير ودوس بالإقدام.

لكن الأمور تطورت بطريقة مختلفة حين قامت الدبابات والمدفعيات والطائرات بدك المدن على رؤوس أهلها من المدنيين العزل، والمتظاهرين سلماً.

كنا نظن - بكل سذاجة - أن هذه الترسانة قد خبأها العقيد إعداداً لتحرير القدس، وما أكثر الذين انخدعوا بالعقيد ومواقفه وصفقوا له، وكالوا له قصائد المديح والتعظيم!!!

واستمر المتظاهرون في استبسالهم وصمودهم، رغم وحشية القمع، وهمجية التدمير.
.. وتدخل مجلس الأمن وحلف الناتو..
وظننا - بكل سذاجة وما زلنا - أن قد جاء الفرج
كلا .. فقد جاءت الفرصة السانحة لأمريكا والغرب وإسرائيل
فليبيا التي تقع بين تونس ومصر المحررتين
يمكن أن تشكل تهديداً لأي نظام ديموقراطي يكون في أي من الدولتين
ولذلك فإن الغرب حريص على أن تدخل ليبيا في متاهة صراع طويل الأمد، ليحقق لهم أهدافاً أهمها:
ـ تقسيم ليبيا إلى دولتين أو أكثر، وقد كان هذا ضمن حزمة أهداف غربية حققت تقسيم العراق والسودان وهي مستمرة..
ـ تهديد مصر وتونس، ومنع قيام نظم حكم حرة وعادلة فيهما لأن ذلك يهدد أمن إسرائيل والغرب.
ـ تدمير ليبيا وبنيتها التحتية حتى تظفر شركات الغرب (النفعي) بعقود إعادة إعمار، تجني من ورائها مليارات الدولارات.
ـ نهب الثروات الليبية وفي مقدمتها المخزون النفطي الضخم.
ـ وقبل هذا وبعده: وقف انطلاق ثورات مماثلة في الدول العربية المرشحة لذلك.

لذلك علينا أن نتوقع أن (الناتو) سيمكث في ليبيا طويلاً، وسيحوِّل الحرب فيها إلى سجال طويل الأمد، وستكون النتيجة تعديل ميزانيات الغرب المتدهورة، ووقف إفلاس البنوك والشركات الغربية التي ما زالت متأثرة بتسونامي الكارثة الاقتصادية التي اندلعت منذ أكثر من عامين.

فهل يعي المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا خطورة الموقف، وضرورة شراء الأسلحة الثقيلة لإحراز النصر على القذافي في أقصر مدة ممكنة؟
وهل يدركون أن حلف الناتو من الذين حذرنا الله منهم بقوله: (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً)؟
وهل ندرك معشر المسلمين أن الغرب عدوٌ تقليدي قديم، ولا يمكن بحال أن يتحول إلى صديق مخلص، ولا أن يكون ناصحاً لنا، مهما رأينا وسمعنا من معسول الكلام؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق